عبد القادر الجيلاني
238
فتوح الغيب
المقالة السّادسة والخمسون في فناء العبد عن الخلق والهوى والنّفس والإرادة والأماني إذا فني العبد عن الخلق والهوى والنّفس والإرادة والأماني دنيا وأخرى ولم يرد إلّا اللّه عزّ وجلّ وخرج الكلّ عن قلبه وصل إلى الحقّ واصطفاه واجتباه وأحبّه وحبّبه إلى خلقه ، وجعله يحبّه ويحبّ قربه ، ويتنعّم بفضله ويتقلّب في نعمه ، وفتح عليه أبواب رحمته ، ووعده أن لا يغلقها عنه أبدا ، فيختار العبد حينئذ اللّه ، ويدبّر بتدبيره ، ويشاء بمشيئته ، ويرضى برضاه ، ويمتثل أمره دون غيره ، ولا يرى لغيره عزّ وجلّ وجودا ولا فعلا ، فحينئذ يجوز أن يعده اللّه بوعد ثمّ لا يظهر للعبد وفاء بذلك ، ولا يغيّر ما قد توهّمه من ذلك ، لأنّ الغيريّة قد زالت بزوال الهوى والإرادة فصار في فعل اللّه عزّ وجلّ وإرادته فيصير الوعد حينئذ في حقّه مع اللّه عزّ وجلّ كرجل عزم على فعل شيء في نفسه ونواه ثمّ صرفه إلى غيره كالنّاسخ والمنسوخ فيما أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلم قوله عزّ وجلّ : * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 106 ] . لمّا كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم منزوع الهوى والإرادة سوى المواضع الّتي ذكرها اللّه عزّ وجلّ في القرآن من الأسر يوم بدر : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ الأنفال : 67 - 68 ] كذا قالوا ، وغيره ، وهو مراد الحقّ عزّ وجلّ لم يترك على حالة واحدة ، بل نقله إلى القدر إليه فصرّفه في القدر وقلّبه منها ، نبّهه بقوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 106 ] . يعني : أنّك في بحر القدر تقلّبك أمواجه تارة كذا وتارة كذا ، فمنتهى أمر الوليّ أمر النّبيّ ، ما بعد الولاية والبدليّة إلّا النّبوّة ، واللّه أعلم . * * *